ابن رشد
90
تهافت التهافت
ويزيدها هنا أشكال أخر أقوى من هذا وهو : إن المراد فعل المريد لا محالة وكل من لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا فإن لم يتغير هو في نفسه فلا بدّ وأن يصير فعله موجودا بعد أن لم يكن موجودا ، فإنه لو بقي كما كان قبل لم يكن له فعل والآن أيضا لا فعل له فإذا لم يفعل شيئا والعدم ليس بشيء فكيف يكون فعلا ؟ وإذا عدم العالم وتجدد له فعل لم يكن ، فما ذلك الفعل أهو وجود العالم وهو محال ؟ إذا انقطع الوجود أو فعله عدم العالم وعدم العالم ليس بشيء حتى يكون فعلا ، فإن أقل درجات الفعل أن يكون موجودا وعدم العالم ليس شيئا موجودا حتى يقال هو الذي فعله الفاعل وأوجده الموجد . ولإشكال هذا زعموا افتراق المتكلمين في التقصي عن هذا أربع فرق وكل فرقة اقتحمت محالا . قلت : أما ما حكاه عن الفلاسفة أنهم يلزمون خصومهم في هذا القول بجواز عدم العالم أن يكون القديم وهو المحدث يلزم عنه فعل حادث وهو الإعدام ، كما ألزموهم في الحدوث فقد تم القول فيه عند القول في حدث العالم ، وذلك أن الشكوك الواقعة في ذلك في الأحداث هي بعينها الواقعة في الأعدام ، فلا معنى لإعادة القول في ذلك . وأما ما يخص هذا الموضع من أن كل من قال بحدوث العالم يلزمه أن يكون فعل الفاعل قد تعلق بالعدم حتى يكون الفاعل إنما فعل عدما ، فهو أمر قد شنع على جميع الفرق تسليمه فلجئوا إلى الأقاويل التي تذكر عنهم بعد . وهذا أمر يلزم ضرورة من قال أن الفاعل إنما يتعلق فعله بإيجاد مطلق ؛ أعني بإيجاد شيء لم يكن قبل لا بالقوة ، ولا كان ممكنا فأخرجه الفاعل من القوة إلى الفعل ، بل اخترعه اختراعا ، وذلك أن فعل الفاعل عند الفلاسفة ليس شيئا غير إخراج ما هو بالقوة إلى أن يصيره بالفعل ، فهو يتعلق عندهم بموجود في الطرفين : أما في الإيجاد فبنقله من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل ، فيرتفع عدمه ، وأما في الإعدام ، فبنقله من الوجود بالفعل إلى الوجود بالقوة ، فيعرض أن يحدث عدمه . وأما من لم يجعل فعل الفاعل من هذا النحو فإنه يلزمه هذا الشك ؛ أعني أن يتعلق فعله بالعدم بالطرفين جميعا ؛ أعني في الإيجاد والإعدام ، إلا أنه لما كان في الإعدام أبين لم يقدر المتكلمون أن ينفصلوا عن خصومهم . وذلك أنه ظاهر أنه يلزم قائل هذا القول أن يفعل الفاعل عدما ، وذلك أنه إذا نقل الشيء من الوجود إلى العدم المحض فقد فعل عدما محضا على القصد الأول بخلاف ما إذا نقله من الوجود بالفعل إلى الوجود بالقوة ، وذلك أن حدوث العدم يكون في هذا النقل أمرا تابعا ، وهذا بعينه